حبيب الله الهاشمي الخوئي

164

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غمّ وحسرة بسببهم ، وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ، ولذلك لا يشتهي عدوّك موتك بل يشتهى طول حياتك لتنظر ما أنعم الله به عليه وينقطع نياط قلبك حسدا كلَّما رأيته ، ولذلك قيل : لا مات أعداؤك بل خلَّدوا حتّى يروا فيك الَّذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة فانّما الكامل من يحسد وإن شئت زيادة وضوح إضرار الحاسد بنفسه وانتفاع المحسود بحسده فاختبر ذلك بقصّة يوسف عليه السّلام واخوته حيث حسدوه وقالوا : اقْتُلُوه * ( أَوِ اطْرَحُوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْه أَبِيكُمْ ) * فَ * ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا ) * * ( وشَرَوْه بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) * . فأدركه العناية الأزليّة والرّحمة الالهيّة وأعطي بمحسوديّته الملك والمملكة والعزّ والسّلطنة وابتلوا بحاسديّتهم بالفقر والفاقة والضّر والمسكنة حتّى صاروا محتاجين إليه بسوء الأعمال فدخلوا عليه ونادوه بلسان الابتهال : * ( يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وأَهْلَنَا الضُّرُّ ) * وسوء الحال * ( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ الله يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) * فأصبحوا بفضله مذعنين وعن علوّ شأنه مفصحين بقوله : * ( تَالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنا وإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ) * . . . ، * ( وخَرُّوا لَه سُجَّداً ) * بعد أن كانوا له حسّدا وأنت أيّها النّاقد البصير والذّكيُّ الخبير إذا أحطت خبرا بما تلوناه عليك وعرفت مضارّ الحسد ومفاسده فراقب الانصاف وجانب الاعتساف ولاحظ نفسك وامحض لها نصحك ولا تكسب لها الخسارة في الحال ولا تجلب لها الشّقاوة في المآل ، ولا تبخس حظَّك عند الخالق ، ولا تسقط وقعك من قلوب الخلايق ، ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت ، باقية كرهت أم رضيت ، فلا تكن للشّيطان